عبد الملك الجويني

348

نهاية المطلب في دراية المذهب

وذهب ابن أبي ليلى وداود ( 1 ) ، وغيرهما إلى أن حرمة الرضاع تثبت بثلاث رضعات ، واعتمدوا في ذلك حديثَ ابن الزبير وأمِّ الفضل ، قال المزني : أسمِع ابنُ الزبير رسول الله ؛ فقال رضي الله عنه : سمعه وهو ابن تسع ، وقال أئمة الحديث مات رسول الله وهو ابن تسع ، فلعل الشافعيَّ أراد آخر ما سمعه في آخر العهد ، ولا شك أنه ولد بعد الهجرة بسنة ، فإنه لما قدم رسول الله عليه المدينة مهاجراً زعمت اليهود أنهم سَحَروا المسلمين ؛ فلا يولد لهم ذكر ، وانقضت سنة ، ولم يولد للمسلمين ذكر ، وأول مولود من الغلمان ابنُ الزبير ، بعد انقضاء سنة ، ولما وُلد ، كبّر المسلمون . وقيل : كَبَّرَ أصحاب الحجاج يوم صلب ابن الزبير ، فقالت أسماء أم ابن الزبير ذاتُ النطاقين : المكبرون عليك يوم ولدت خير من المكبرين عليك يوم قتلت . فقد اعتمد قوم حديثَ ابن الزبير في نفي الحرمة عن المصة والمصتين ، وبَنْوا إثبات الحرمة على المفهوم ، فإن التخصيص بالأقدار [ يقتضي ] ( 2 ) مخالفةَ الحكم للمقدّر المنصوص عليه . 9999 - واعتمد الشافعي الحديث الناص على الخمس ، قالت عائشة : " أنزلت عشرُ رضعات يحرِّمن فنسخن بخمسٍ ، فمات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا مما يتلى من القرآن " . وهذا قد يعترض فيه إشكال ، فإن الحديث ، وإن كان مدوّناً في كل صحيح ، فمضمونه أن الرضعات الخمس كانت ضمن آيةٍ تتلى من القرآن ، ونحن لا نراها بين الدفتين ، فلعها أرادت أنها كانت تتلى حُكماً . والقول في ذلك يطول ، وليس من الحزم الزيادة على المعنى المطلوب في كل فنّ . وحمل الشافعي حديث المصة والمصتين على جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سؤال مخصوص ، وواقعة سئل فيها عن المصتين ، فخرج جوابُه على وَفْق

--> = يحرم ما دون خمس رضعات ، ح 2062 ، والترمذي : الرضاع ، باب ما جاء لا تحرم المصة ولا المصتان ، ح 1150 ، ومالك في الموطأ 2 / 608 . ( 1 ) ر . المحلي : 10 / 10 . ( 2 ) في الأصل : يفضي .